يحيي بن حمزة العلوي اليمني
155
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ينزل بك والسلام . فهذا ما أردنا ذكره من كلام أمير المؤمنين في الاستدراجات اللطيفة ، وكم له في هذا النوع من الكلمات لأنه كان قد بلى بحرب أهل القبلة وخروجهم عليه ، فكان حريصا على إبانة الحجة ، وإيضاح المحجة ، بالأقوال اللطيفة ، والخطابات الرقيقة ، إبلاغا للحجة ، وقطعا للمعذرة ، ولله در أمير المؤمنين ، فلقد كان قوالا للحق ، فعالا له ، موضح السنن والمعالم ، والناصح لله وللدين لا تأخذه فيه لومة لائم . المثال الرابع ما ورد عن البلغاء في الاستدراج ، يحكى أنه وقعت بين الحسين بن علي صلوات الله عليه ، وبين معاوية بن أبي سفيان مفاوضة في أمر ولده يزيد ، وذلك أن معاوية قال للحسين بن علي : أما أمك فإنها خير من أمه ، وفاطمة بنت رسول الله خير من امرأة من كلب ، وأما حبى يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة ما رضيت ، وأما أبوك وأبوه ، فإنهما تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك ، فلينظر الناظر ما اشتمل عليه كلام معاوية من المراوغة عن الحق وتلبيس الأمر في ذلك عن السامع بلطيف الاستدراج وحسن الإجمال مع ما فيه من البلاغة والفصاحة ، فانظر إلى عظم دهائه ، وإغراقه في الحذق والكياسة ، حيث علم وتفطن ما كان لأمير المؤمنين من السبق في الإسلام ، وحسن الإبلاء في الجهاد لأعداء الله ، وما خصه الله به من العلم الباهر والقدم الراسخ في الزهد والعبادة فلم يتعرض للمفاخرة في ذلك ، ولا دعا إلى المنافرة ، ولو قال إن الله قد أعطاني الدنيا ، ونزعها منكم ، لأن مثل هذا لا فضل فيه ، لأن الدنيا لها البر والفاجر ، ولكن صفح عن ذلك كله ، وأعرض عنه ، وأتى بكلام مبهم لا يفهم منه المقصود ، وهو قوله : إن أباك وأباه تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك ، فإنما أتى بهذا الكلام ليسكت خصمه ، ويستدرجه إلى الإصمات ، وهذا من غدره ودهائه قليل ، ومن لطيف ما جاء في الاستدراج من المنظوم ما قاله أبو الطيب المتنبي : وذلك أن سيف الدولة كان مخيما بأرض الديار البكرية على مدينة ميّافارقين ، ليأخذها فعصفت الريح خيمته فأسقطتها فتطير الناس لذلك ، وقالوا إنه لا يأخذها فامتدحه أبو الطيب بقصيدة لامية يعتذر فيها عن